د.الصقر: قدمنا لمجلس الامة مشروعين بقانون بشأن البدون وإنشاء هيئة مستقلة لحقوق الانسان    حقوق الانسان    المقومات تطالب بالتجنيس العاجل لنحو ثلاثين ألفاً من البدون    حقوق الانسان    المقومات : نرفض الانتقائية والتعسف في تطبيق القانون ونطالب بتوفير الضمانات والحقوق للمعتقلين
كلمة الرئيس
رسالتنا و رؤيتنا
أهدافنا و طموحنا
مجلس الإدارة
قضية الساعة
لجنة المرأة والطفل
المكتبة الحقوقية
اصداراتنا
مناسبات حقوقية
دراسات
البيانات
منظمة المؤتمر الإسلامي
منظمة الأمم المتحدة
إعلان القاهرة لحقوق الانسان
الاعلان العالمي لحقوق الانسان
مواقع ذي صلة
الأنشطة والفعاليات
تكريم وتزكيات الجمعية
التطوع والعضوية
للدعم والتبرع
تقديم شكوى
اتصل بنا


 اصدارات الجمعية :

 

الإعدام هو الحياة

بداية لنعلم أن أحكام القصاص أو إعدام القتلة، إنما جاءت في الشريعة الإسلامية كوسيلة لحفظ حق البشرية في الحياة، وليس لإزهاق الأرواح كما يزعمون، فهذه الأحكام في حقيقة أمرها تهدف إلى حفظ أمن واستقرار المجتمعات، فهي بمنزلة العمل الجراحي الذي يتذرع به الطبيب  لشفاء المريض، وهي ضمانات تكفل عدم الاعتداء على حياة الإنسان بأي صورة من الصور،  وبالتالي يستطيع أن يأمن على نفسه وعرضه وماله ونسله ودينه، ليؤدي وظيفته في المجتمع على أكمل وجه دون إعاقة أو ضرر، ومن المستحيل أن يشيع الحق في الحياة دون توافر تلك الأمور.

 وإن القصاص وفق الضوابط التي وردت في الشريعة الإسلامية هو في الواقع حياة كما سماه الله عز وجل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[1]، فإنه إذا علم المجرم أنه لو قتل شخصا، فإنه سيقتل، فإنه سيمتنع عن ذلك، فتحفظ حياته، وحياة من أراد قتله، وحياة من قد ينتقم، فتُصان الدماء وتُحفظ حياة الناس، والعكس صحيح، فإن المجرم إذا قتل شخصا ولم ينفذ في حقه القصاص، فإنه قد يتمادى في القتل ويتطاول على شخص ثان وثالث ورابع، وقد ينتقم أهالي القتلى من القاتل فيقتلوه، وقد تثأر القبائل والعشائر لقتلاهم ويقع بينها من الاقتتال والحروب والقتلى ما الله به عليم كما كان الأمر أيام الجاهلية، ولذلك لا عجب أن العرب قد تناقلوا قديما ألفاظا تؤيد هذا المعنى مثل قولهم (القتل أنفى للقتل) و(قتل البعض حياة للجميع). وقد أشارت واحدة من أهم الدراسات الحديثة التي عقدتها جامعة إيموري الأمريكية أن تنفيذ حكم الإعدام الواحد، يساهم في خفض معدل  18 جريمة قتل في المجتمع كما سيأتي.

خير من القصاص:

وعلى الرغم من أن الإسلام قد أقر القصاص، فإنه في الوقت ذاته بيّن أن هناك مرتبة أعلى وأفضل من القصاص، وهي عفو أهل المجني عليه عن الجاني، وذلك بقوله تعالى {...فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ...} [2] ولكنه اشترط أن يصدر هذا العفو من أهل المجني عليه حتى يضمن أن صدورهم لا تحمل الضغينة والحقد، وبالتالي لا يقع الانتقام والمزيد من القتل.

أيها أكثر ردعاً.. الإعدام أم الحبس؟

أيهما أكثر ردعا للمجرم، الإعدام أم الحبس المؤبد؟ وإليك هذا المثال حتى يتضح السؤال: تخيل لو أن شخصا فقيرا ضاقت به السبل وأُغلقت في وجهه الأبواب، وهو في أمسّ الحاجة إلى الأموال، فسوّلت له نفسه الأمّارة بالسوء أن يأتي    بمحظور يدر عليه المال مثل أن يروج للمخدرات أو ينفذ سطوا مسلحا قد يودي بحياة العشرات من الأبرياء، أو يقطع الطريق ويحتجز الرهائن وغيرها، وقبل أن يقدم على أي من تلك الجرائم، جلس مع نفسه يتصور ما عاقبة فعله وما هو أسوأ ما يمكن أن تؤول إليه الأمور؟ فتبين له أن أسوأ العواقب هو أن يُلقى القبض عليه فيلقى في السجن ما بقي من حياته، ولعل المعيشة والحياة داخل السجن تكون أهون عليه من خارجه، بالله عليك هل سيردعه ذلك مثل ما لو علم أن هذه الجرائم قد تؤدي إلى سلب روحه التي هي أعز وأغلى ما يملك إذا حُكم عليه بالإعدام؟

أعلم أن الإجابة بديهية، ولا أظن أنه يختلف عليها عاقلان، ولكن العجيب أن أغلب منظمات حقوق الإنسان الغربية تبنت إجابة تختلف عن إجابة العقلاء، فهي تعتقد، أو بالأحرى تحاول إقناع نفسها وإقناع الدول أن حكم الحبس يعادل في الردع حكم الإعدام، وعززت رأيها ببعض الآراء النفسية والاجتماعية التي نشرتها في مواقعها على الإنترنت، وخجلت أن تشير إلى مصادرها، وببعض الدراسات المقارنة التي أيدت عقوبة الحبس بعد إحصائها لمعدل جرائم القتل في ولايات أمريكية تطبق عقوبة الإعدام وأخرى تطبق عقوبة الحبس المؤبد.

ولو أردنا الرد على تلك المزاعم بالعقل، فإن المنطق يقول: بما أن الغاية الأساسية لارتكاب أي جريمة في العالم هي التمتع بصورة من صور الحياة ومظهر من مظاهرها، فإن التهديد بسلب هذه الغاية ومعاملة المجرم بنقيض قصده هو أكثر العقوبات ردعا.

 وحيث إن لغة الأرقام هي أصدق اللغات، فلندعها تتحدث: في دراسة لجامعة إيموري الأمريكية تم فيها جمع بيانات أكثر من 3000 مقاطعة أمريكية في الفترة من 1977 إلى 1996 أظهرت نتائجها أن تنفيذ عقوبة الإعدام يتناسب عكسيا مع عدد جرائم القتل، وأن كل إعدام يتم تنفيذه يساهم بالمتوسط في خفض 18 جريمة قتل[3]. كما أشارت  استطلاعات الرأي التي أجرتها منظمة جالوب والتي تُعد من أقدم المنظمات العالمية المتخصصة بالبحوث والدراسات وكان لقضية الإعدام نصيب كبير من بحوثها منذ عام 1936، أشار أحدث استطلاع لها في عام 2009 إلى أن 65% من الشعب الأمريكي مازال يؤيد تطبيق عقوبة الإعدام على القتلة، لأنها الوسيلة الأكثر ردعا للمجرم، ولم تتغير النتيجة خلال السنوات السبعين الماضية، وقد أجريت إحصاءات مماثلة عدة في دول العالم، فأظهرت نتائج متقاربة[4]، ومن المعلوم أنه من المستحيل أن يختار الإنسان إنزال عقوبة في حق من يهدد حياته دون أن يعتقد أنها أكثر العقوبات ردعا.

 وأجرى البروفيسور ديزباكش والبروفيسور شابرد دراسة جمعت بيانات من عام 1960 إلى 2000، قارنت بين جرائم القتل قبل وأثناء وبعد قرار المحكمة الأمريكية العليا بإلغاء عقوبة الإعدام، خلصت نتائج الدراسة إلى أن إلغاء الإعدام يساهم في رفع معدل جرائم القتل[5]. وفي دراسة منفصلة لشابرد استنتج أن تنفيذ الإعدام الواحد يمنع 3 جرائم قتل، وأن التعجل في تنفيذ الإعدام يساهم في خفض جريمة قتل واحدة مقابل كل 2,75 سنة انتظار يتم تقليصها[6]. وفي دراستين للباحث بول زيمرمان، ظهرت نتائج متقاربة، تؤكد أن الإعدام يساهم في خفض 14 جريمة قتل[7]. وهناك عشرات الدراسات غيرها  التي لا يتسع المجال لذكرها،  فلا أدري عن أي شعوب العالم  تتحدث المنظمات الغربية التي تعتقد أن الحبس أكثر ردعا لها من الإعدام؟

هل الحبس عقوبة مثالية؟

إذا كان في عقوبة الإعدام انتهاك لحق الحياة، حسب فهم دعاة حقوق الإنسان الغربيين، فإن عقوبة الحبس هي انتهاك صارخ لحق الحرية وحق الكرامة الإنسانية، فأي انتهاك أعظم للكرامة من أن ينادى على الإنسان برقمه لا باسمه، وأن يتعرّض لشتى أنواع الإهانات والشتم وأحيانا الضرب والأعمال الشاقة والحبس المنفرد.. إلخ.

كما أن ضعف قوة الردع في عقوبة الحبس هو أمر لا يمكن نكرانه، فقد أكدت الإحصاءات أن 70% من المجرمين عادوا إلى ارتكاب جرائمهم مرة أخرى بعد خروجهم من السجن [8]، كما أظهرت دراسات أجريت في السجون الأمريكية أن أربعة وتسعين سجينا من كل مئة في السجون الأمريكية هم من المجرمين الذين عاودوا الكرّة، أو الذين ارتكبوا جرائم عنيفة جدا [9].

ولو كان المأخذ الوحيد على عقوبة الحبس هو ضعف رادعها لهان الأمر، إلا أن الدراسات تشير إلى أن هذه العقوبة بنظامها الحالي جمعت مساوئ عديدة، جعلتها وسيلة إفساد لا وسيلة إصلاح، ففيها  يختلط المجرم المبتدئ مع العتاة من المجرمين، فيتعلم منهم شتى صور وفنون الجريمة، وقد يدخل المتهم السجن بتهمة بسيطة، ثم يخرج منه وهو أستاذ في علم الجريمة وقلبه محمّل بالحقد على مجتمعه، فيطبق ما تعلمه.

 هذا عدا  دور السجن الكبير في تعطيل الإنتاج، والضرر على الصحة النفسية والبدنية للسجناء، وقتل الشعور بالمسؤولية، إذ يعتاد المجرم على تلقي قوته اليومي دون جهد، فيصبح بعد انقضاء فترة حكمه عالة على أسرته ومجتمعه.

كما أن في السجن إرهاق كبير لخزانة الدولة، يقول برينارد هاركورت أستاذ القانون في جامعة شيكاغو: (سجن الشخص الواحد يكلف نحو 35 ألف دولار في السنة، ولذلك نحاول الآن معالجة بعض التكاليف المترتبة على بعض ممارساتنا الجزائية في هذا البد –أي أمريكا- )، فلا عجب أن بلغت الميزانية السنوية المنفقة على السجون في أمريكا مليارات عدة ، وأن بعض ولاياتها مثل كاليفورنيا،، صارت تغدق على السجون 11% من إجمالي ميزانيتها السنوية، في حين لا يتعدى نصيب التعليم العالي 7,5% من تلك الميزانية [10].



[1] سورة البقرة آية 179

[2] سورة البقرة آية 178

[3] دورية القانون والاقتصاد الأمريكية – المجلد 5، رقم 2 (2003)

[4] راجع موقع منظمة جالوب على الإنترنت.

[5] التحقيقات الاقتصادية المجلد 44 العدد 3 عام 2006.

[6] مجلة الدراسات القانونية، المجلد 33، يونيو 2004 .

[7]  مجلة الاقتصاد التطبيقي المجلد 7 العدد 1 مايو 2004 .

[8] مجلة الوعي الإسلامي العدد 230، نقلا عن كتاب العدالة في نظام العقوبات في الإسلام، د.محمد عبدالغني.

[9] جريدة النهار العدد 2225 سنة 1994، نقلا عن كتاب العدالة في نظام العقوبات في الإسلام، د.محمد عبدالغني.

[10] نشر في الجزيرة توك 10/1/2010 .

 

  السابق   التالي

 

 
بحث في الموقع
بحث جميع المواقع